الإضاءة الشهرية

حياةٌ أخرى، ولكن على المسرح

نبذة عن مجموعة المسرحي والفنّان عادل الترتير

وطار الطير… الله يمسّي الحاضرين بالخير

عادل الترتير، رام الله، أواخر ستينيّات القرن العشرين

على يد الدّاية “إم جودة”، خرج الترتير إلى الحياة؛ إلى المسرح الأكبر، على أرض قرية رافات بين رام الله والقدس، في 14 آب 1951، منحدرًا من أسرةٍ تعود جذورها إلى مدينة اللّدّ. هُجّرت العائلة إبّان النّكبة، واستقرّت أسفل شجرة؛ وتحديدًا في “سقيفة” من الزينكو، وبعد نحو أربعين يومًا مرّت من حياته كان محمولًا على ظهر حمارٍ مُتّجهٍ إلى عين منجد في رام الله 

كبُرَ، وما كان للخيال إلّا أن يتّسع. في مضافة والده كان يجلس، محاطًا بالكبار، وفي دكّانه، حيث كانت المحاريث والسكك تُصنعُ للفلّاحين، وكما أيّ طفلٍ فضولي، كان يتحسّس الخشب ويرسم ما يرى، ويتقمّص أدوارًا لشخصيّاتٍ مختلفةٍ. هذه التجارب مُجتمعةً شكّلت بذرةً لأولى تجاربه المسرحيّة في “مسرح السقيفة”، هُنا، وعلى مقربةٍ من عائلته، شعر بشيءٍ من المسؤوليّة، ولم يكن يدري بأنّ شخصيّته العنيدة، وحسّه الفكاهي، وقدرته على التقليد بشكلٍ مُتقنٍ، سوف تجعله واحدًا من رُوّاد الحركة المسرحيّة في فلسطين منذ مطلع سبعينيّات القرن العشرين وحتّى يومنا هذا. ولعلّ هذه المجموعة الأرشيفيّة، بما تزخر به من مئات الصور وعشرات الوثائق؛ بدءًا بقصاصات المجلّات والصحف، وصولًا إلى المنشورات وتذاكر الدخول إلى المسرحيّات، خير دليلٍ على ذلك

كان الترتير ممّن لبّوا النداء بضرورة إيجاد بدائل تعبيريّةٍ للمشاكل الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة من خلال خشبة المسرح، وقد مكّنته روح العمل الجماعي، بمساعدة مجموعةٍ من الشبّان والشابّات في رام الله والقدس، من إنشاء أوّل فرقةٍ مسرحيّةٍ مستقلّةٍ عام 1970، أطلقوا عليها اسم “بلالين”، قدّمت أوّل عرضٍ لها في 22 كانون الثاني 1972 على خشبة مسرح المدرسة العُمريّة في القدس، وعنوانها “قطعة حياة”، شكّلت بدورها مصدر إلهامٍ لثمانية عروضٍ مسرحيةٍ أخرى عُرضت بين الأعوام 1972-1975، فكانت “العتمة” في 1972، و”نشرة أحوال الجو”  و”ثوب الإمبراطور” و”الكنز” و”شجرة الجوز ويونس الأعرج” في 1973، و”تَع تَخرفَك يا صاحبي” في 1974، و”عنتورة ولطّوف” و”تربايتك عمّي” في 1975

كُتيّب للتعريف بالفرق المسرحيّة – لجنة المسرح، 1980

ما انفكّ هذا المسرحي يحتفظ بكلّ قصاصةٍ ورقيّةٍ وصورةٍ ودفتر ملاحظاتٍ، مُرتّبةً ومُروّسةً بحسب التاريخ الذي نُشرت أو كُتبت فيه، كما ولم يتخلّ عن أيّ مادّةٍ صحفيّةٍ كُتبت مُشيدةً بأعماله أو منتقدةً لها، الأمر الذي جعله يتعلّم من أخطائه السابقة ويدفع بنفسه نحو التطوّر، الشيء الذي لم يختبره بمعزلٍ عن باقي زملائه في العمل المسرحي

تذكرة الدخول لمسرحيّة “قطعة حياة

عند زيارة مقرّ “مسرح صندوق العجب” في البلدة القديمة في رام الله، وفي هذا البيت القديم الذي رمّمه عادل الترتير على عاتقه الخاصّ، سنجد الأرشيف يحيط بنا من جميع الجهات؛ فعلى الحائط، مثلًا، علّق الترتير المُلصقات الدعائيّة والإعلانيّة الخاصّة بكلّ عرضٍ قدّمه، ناهيك عن الدُّمى الموزّعة في كلّ زاويةٍ من البيت، ولوحاته الخشبيّة التي نحتها بيده، وصورهِ التي توثّق سفره للمشاركة في محافل مسرحيّةٍ عربيّةٍ ودوليّةٍ عديدةٍ، بالإضافة إلى صناديق القصاصات الورقيّة، والأعداد المنوّعة من الصُّحف والمجلّات، مثل “الشعب” و”الفجر” و”القدس” و”الأيّام”، وغيرها من الإعلانات وتذاكر الدخول إلى المسرحيّات التي كانت تُباع مقابل سعرٍ رمزي تضمن من خلاله فرقتا “بلالين” و”صندوق العجب” الاستمرار وتوفير المعدّات والمستلزمات الفنيّة الضروريّة، من ملابس وديكور وأماكن للتدريب، من أجل تشجيع الجمهور على المشاركة، تمهيدًا لإنشاء علاقةٍ بين الفلسطينيّين ومسرحهم

مشهد من مسرحيّة “راس روس

بعد عام 1975، وتحديدًا بعد أفول نجم فرقة “بلالين”، وجد الشبّان أنفسهم في مواجهة نضج تفكيرهم تجاه المسرح، فما كان من الترتير ومن معه إلّا أن شكّلوا فرقةً مسرحيّةً جديدةً، أطلقوا عليها اسم فرقة “صندوق العجب”، وبذلك أرادوا العمل على إعطاء المسرح حقّه وتعميق الصلة بينه وبين الجمهور، من خلال احترافهم للمسرح والتفرّغ للعمل المسرحي. قدّمت فرقة مسرح “صندوق العجب” عددًا من الأعمال المسرحيّة، كان من بينها: “لمّا انجنّينا” في 1976، و”تغريبة سعيد بن فضل الله” في 1979، و”راس روس” في 1980، والتي كانت أوّل عمل مونودرامي قدّمه الترتير في تاريخ الحركة المسرحيّة الفلسطينيّة، بالإضافة إلى  مسرحيّات “الحقيقة” في 1982، و”الأعمى والأطرش” في 1986، و”القبّعة والنبي” في 1990، وهي ثاني عمل مونودرامي للترتير، وأخيرًا “حكايات أبو العجب” منذ العام 1993 ولغاية الآن

مقرّ مسرح صندوق العجب في رام الله

كان لعادل الترتير اهتمامٌ خاصٌّ بفكرة “مسرح الطفل”، الذي اعتبره نقلةً نوعيّةً في تاريخ المسرح المحلّي، وهذا ما يفسّر استمراره إلى يومنا هذا في عرض سلسلة “حكايات أبو العجب”، وهي سلسلةٌ طويلةٌ من القصص المتتالية، تدور أحداثها على لسان عادل الترتير، المُلقّب بالحكواتي “أبو العجب”، الذي يطوف بصندوقه في كلّ مكانٍ، ويحمل في جعبته الكثير من الحكايات التي يرويها ويُمثّلها عبر صندوق العجب، مُجسّدًا مسرحًا مُتنقّلًا يستعرض من خلاله جملةً من القصص الشعبيّة المأخوذة من التراث الإنساني والفلسطيني، إلّا أنّه يتصرّف، في بعض الحالات، بهذه القصص، ويجعلها قريبةً من الواقع المعيش، بحيث تصبح ملائمةً للكبار والصغار، ومُعبّرةً عن الماضي والحاضر، دون أن تنتهي حدوده عند هذه الحكايات، بل يتجاوزها سعيًا إلى بلورة جزءٍ منها بناءً على المواقف التي يتعرّض لها في حياته

وهاي حكايتي حكيتها، وعليكم رميتها

وطار الطير، وتضلّوا بخير


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s